فخر الدين الرازي

199

المطالب العالية من العلم الإلهي

إذا ثبت هذا ، فنقول : إن بتقدير أن يفنى هذا الآن الحاضر ، ولا يوجد بعده آن آخر ، فإنه تكون المدة منقطعة وفانية . ومع هذا التقدير ، فإنه يكون عدم الزمان متأخرا عن وجوده ، لا بالزمان . وإلا لزم عدمه عند وجوده . وذلك محال . فقد عقلنا حصول التقدم والتأخر ، لا بسبب الزمان والمدة . والخامس : إن المدة والزمان . إما أن تكون في نفسه وذاته من الأمور الدائمة الباقية ، أو تكون من الأمور الحادثة المتبدلة . فإن كان الأول ، فنقول : هذه المدة أمر دائم . ودوامها ليس بسبب مدة أخرى . وإلا لزم التسلسل . فقد عقلناه دواما ، لا بسبب المدة ، وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل الدوام والاستمرار في سائر الأشياء من غير حاجة إلى فرض زمان ومدة ؟ وإن كان الثاني ، فحينئذ يكون كل واحد من أجزاء الزمان ، سابقا على غيره ، أو متأخرا عنه . وذلك التقدم والتأخر ، ليس بسبب المدة وإلا لزم التسلسل . وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل حصول التقدم والتأخر في سائر الأشياء ، لأجل المدة والزمان ؟ السادس : إن المدة لا يعقل حصولها ، إلا حيث حصل فيه الماضي والحاضر والمستقبل . فالذي يكون مستقبلا ، يصير بعده حالا ، ثم يصير الحال ماضيا . وهذا لا يحصل إلا حيث حصل فيه التغير والتبدل . والبارئ تعالى منزه « 1 » عن التبدل والتغير ، فامتنع [ أن يدخل تحت الزمان ، فامتنع « 2 » ] أن يكون تقدمه على العالم بالمدة والزمان . فثبت بهذه الوجوه الستة : أنه لا يجب أن [ يكون « 3 » ] تقدم البارئ على العالم [ بالمدة « 4 » ] والزمان . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) مبرأ ( ط ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) من ( ت )